بوسها يا حمار!

وجدها جالسة على الأرض، بجانب باب شقته المقفل. جمد في مكانه ينظر إليها، ولم تكن منتبهة له. كانت تركّز نظرها في المسافة القصيرة أمامها. هل كانت تحفظ شكل البلاطات، أم تتبع الشكل الذي اتخذه الشرخ في الحائط أمامها، أم تنظر إلى تعاقب الأضواء والظلال من تحت باب الشقة المقابلة؟
كان من الممكن أن تكون تركّز في الأشياء الثلاثة معًا، وكان من الممكن أيضًا أن تكون تفكّر فقط، وأنها كانت تنظر من دون أن تركّز في كل ما يعبر أمامها وتلتقطه عيناها، وأنه صدف فقط وجود التفاصيل الثلاثة أمامها، ولو تواجدت تفاصيل غيرها في تلك اللحظة، لكانت ملأت بدورها فضاء الانهماك هذا.
بقي واقفًا في مكانه يتبصّر فيها. لم يستطع أن يجزم بما كانت تفعله، ولم يكن يريد أن يقاطعها، لا لأنه كان واثقًا بأنّ الشيء التي كانت منهمكة بالتركيز فيه كان مهمًا. لم يكن انهماكها هو السبب. بل لأنه شعر للمرة الأولى أنه على مسافة قريبة تتيح له النظر إليها باستفاضة من دون أن يُحرَج، ومن دون أن يحسب عدد نظراته. كان الفيصل هو عدم ملاحظتها هي له، لا انتظاره حتى تفرغ من مشاغلها.
لكن، وعلى الرغم من هذه الحقيقة، حقيقة القرب المحميّ، فإنّ انهماكها ظهّر أشياء فيها له. فالهيئة التي كانت تنتظره فيها، جعلته يلتقط الطريقة التي يتصرّف فيها جسمها عندما يكون ساكنـًا ومنفصلًا عن المحيط. وهذه الملاحظة الأخيرة جعلته يفكّر بتفصيل قديم لطالما زاره: هل تتصرف الأجساد بطريقة مغايرة لطبيعة تصرفها الأساسية في حضور الغير؟ هل ضغط المحيط يدفع باتجاه حراكات مقبولة ويقمع حراكات أخرى؟ هل يُخرِج الواحد آخرًا من داخله في حضور الغير ويعود ليطمره عندما يعود وحيدًا؟ هل هذا ما يسمونه الذكاء الاجتماعي؟ أن تحرّك الأيدي والأرجل والأعين والألسنة كما يجب في حضور المحيط؟ الأمر محض انسياق وخضوع؟
يتذكّر، يتذكّر، يتذكّر.
ويبدّل التحليل تفاصيل المشاهد. يغيّر في الأحداث. يعمل فيها قتلًا. يعتمها أكثر.
شيء ما في تحديد عنوان كل شيء يغيّر من طريقة تلقينا وتعاملنا مع الأشياء.
قبِّلها.
بوسها يا حمار!

Tags: arabic

تفكّر في شرح آخر لكل هذا. في مشهد يواجه فيه الحزن، العنف. كلما نظر الحزن في العنف، قلبَه حزنًا. ومن ثمّ، وبعد أن ينتهي من التهامه، يتبعثر موحيًا بالتلاشي فيما هو يتوزّع في كل مكان. هذه عملية تشبه القصص في لحظاتها الأخيرة قبل أن تنتهي، أو قبل أن تبدأ من جديد. توجّه نظرك نحو البحر، وهذه المرّة، بدلاً من العنكبوت العملاق، ترى أطفالًا أربعة يحملون أسماء أنبياء ثلاثة يعدون فوق الرمل. لا تعرف كيف عرفت أسماءهم، ولا تهتمّ لهذا التفصيل.  تنهمك عيناك بتوثيق مناكفات اللحظات الأخيرة، تنتبه للَفتات المناكفة من أحدهم إلى الآخر، ثم يتحولون كلهم إلى صورة مبكسلة تثبّتهم عند رفعة أكتاف واثقة، وأيدٍ منطلقة، وأرجلٍ محنية توحي بالوصول. 

هل وصلوا؟

Tags: arabic

ما نجَت منه

الانفجار يستحيل غمامة، والغمامة ترتفع ببطء. تترك وراءها الفراغ. تخلق في السماء مساحة لا تحوي شيئًا. وما إن يرتفع الدخان أكثر، حتى ينقشع كل شيء في الأسفل. تحت، الكلّ مشغول، ولا أحد ينظر إلى الأعلى. تحت، الصوت مكتوم والرؤية متلبّدة. يتوقّف الزمن لثانية، لثانيتين. ثمّ يكمل من جديد. طنين في الأذنين، والعينان مغمضتان. العينان تُفتحان. الدخان الأسود يقلب النهار ليلًا. الحدقتان تتسعان أكثر. النظر يتسارع في كافة الاتجاهات. الزمن يسرع ليتخطى توابع توقف الثانية أو الثانيتين، ويلحق بإيقاعه السابق. العينان تركّزان أمامهما، تريان شرخين في الزجاج الأمامي للسيارة، والصوت يبدأ يعود من قاعه. عميقًا يظهر، بطيئًا يعود، ثم يستقرّ من جديد كما كان. يلتقي مع الزمن في لحظة استعادة إيقاعه القديم. تفهم العينان ما يحدث حولها. فتمتدّ اليد إلى الباب لتفتحه. تفشل في المرة الأولى، وتفشل في المرة الثانية. يظهر الوجه الشاب من وراء الزجاج، ويتراجع، ثم يبين الشيء الذي يحمله. الشيء يكسر النافذة. الوجه ينظر إلى العينيْن، يضطرب، ولا يتحدّث. يمدّ يده ويفتح باب السيارة من الداخل، ويخرج الجسد. الوجه ينظر في العينين، ويسأل صاحبتهما إن كانت ما تزال قادرة على الحركة، والعينان تردّان أنها تستطيع. الجسد يتكئ على الكتف. تحاول الرجلان أن تمشيا وحديهما. المسافة تطول، ووزن الجسم يصير أكثر ثقلًا على صاحبته. وفي الرحلة القصيرة، تتسع الحدقتان من جديد. الدخان يزكم الأنف، وإنذارات السيارات لا تزال تعلعل. الصراخ في كل مكان. “لورا.. إرجعوا لورا. فلّوا من هون”. ترتفع الصرخات بلا طائل، وتتكاثر الجموع. الحدقتان تواصلان اتسعاهما بلا سيطرة. تنظران في قلب الدخان الأسود. تريان السيارات مجعلكة. تجدان ألمنيوم الشرفات المحيطة وقد اقتُلع. ترتفعان بتحديقهما أكثر، تحاولان أن تنظران للبناية كاملةً. تجدانها وقد تعرت تمامًا وكشفت عن باطن شققها. الرجلان تواصلان المشي المؤلم. دم على الملابس، وناس غير معروفين يسألون، ولا قدرة على الردّ. لا إجابة في الرأس. في الطريق، تلمح العينان يدًا فوق عمود كهرباء، وأشلاء جسد على رصيف، وعندما تشيحان مبتعدتين إلى الأرض، تريان الركام الذي تمشيان فوقه وبينه، وتشعران بالحرارة. “خليكي هون”، يقول الوجه الشاب، ويعود ليغوص من جديد في قلب الدخان الأسود.
- مقطع غير محرّر من الرواية الجديدة قيد الكتابة

Tags: arabic

في استخدام موتيْن

رفاهية انتقاد الحرب الأهلية من خارجها من منطلقات الصوابات السياسية والأخلاقية، لا تضاهيها إلا رفاهية المطالبات الراديكالية المحمومة من الخارج بالاستشهاد (المحتم لا المحتمَل) في حالات مواجهة المحتل وبلا أي اعتبارات تكتيكية حالية أو مستقبلية، بل والنظر إلى الاستشهادات بكونها انتصارات تكاد تكون منتظرة، ومهاجمة الحزن الإنساني وتعريفه كمحض فعل انهزامي ليس وقته الآن. تُغفل هاتان الرفاهيتان تفاصيل لا يمكن أن تلتقطها إلا بالمعايشة اليومية من داخل الحدث، واذا حدث والتقطتها، فإنها تحولها بصلابة إلى محض فعل فضح صاخب. ففي حالة مجابهة المحتل، يكمل مثلًا عرض الجثّة درب الشهادة بعد أن يكون قد أكدها. ولا تعود هناك شهادة بلا جسد، وبلا أسطورة، وبلا حكايا شفوية تتضخم شخوصها كلما تناقلها لسان، حتى يكاد أن يستحيل الانتصار بلا جثة. والجثة نفسها ينقلب استخدامها، فيصير عرضها فعل فضح للحرب الأهلية، وطلبًا لإيقافها. وهكذا يتعرّف في الرفاهيتين الموتان: موت الحرب الأهلية كموت خاطئ ظالم، وموت المواجهة كموت صائب مطلوب. يعبّد الخطأ الطريق للموت في الحالة الأولى، ويؤدي الموتُ إلى الصواب في الحالة الثانية.

Tags: Arabic

"في وقت متأخر من ليلة سبت، كان تسوكورو وهايدا مستيقظين كعادتهما يتحادثان، عندما تطرقا إلى موضوع الموت. تكلما في دلالته، وفي القدرة على العيش مع حتمية حدوثه. في أغلب حديثهما، ناقشا الموضوع باستخدام عبارات نظرية. أراد تسوكورو أن يشرح كم كان قريبًا من الموت في الآونة الأخيرة، والتغييرات العميقة التي أحدثتها له التجربة، بدنيًا وعقليًا. ودّ أن يخبر هايدا عن الأشياء الغريبة التي رآها. لكنه كان يعرف أنه إن ذكر كل ذلك، فسيضطر أن يشرح له التسلسل الكامل للأحداث، من البداية حتى النهاية. لذا، وكما دائمًا، تكفل هايدا بأغلب الحديث، فيما استلقى تسوكورو وأصغى."

— ترجمة سريعة لبداية الفصل المطروح في موقع slate من الترجمة الانكليزية لرواية هاروكي موراكامي الأخيرة (تسوكورو تازاكي منعدم اللون وأعوام حجِّه)، والتي تصدر في ١٢ أغسطس / آب الجاري.

Tags: Arabic

فيما صنعت بنا.

فيما صنعت بنا.

اللقاءات - حلم يقظة - هيثم الورداني - دار ميريت  ٢٠١١

اللقاءات - حلم يقظة - هيثم الورداني - دار ميريت ٢٠١١

"ليس عبثًا أن لا نعرف أسماء الشوارع، وأن نسميها بأسماء أخرى، وأن نجاهد للبحث عن الأسماء على الجدران فلا نجدها. ليس عبثًا هذا كلّه. لكنّنا نحن الذين لا نسأل. أو لعلّنا كنا نسأل وتوقّفنا. سألنا فقط في البداية عن السبب، ولم نجد إجابة، ثمّ عندما تكرر الأمر، انتفى معنى السؤال. لكنّ لحظات بعينها تعيدنا. نتذكّر فجأة، ونعود نسأل قبل أن نسكن من جديد لواقع انعدام الإجابات. نكمل حياتنا، نرتطم ونمشي ونتوقف ونقوم، كجزيئات تخبط ببعضها في علبة مغلقة بفوضى غير معروفة قوانينها. ألهذا ربما أراني أركض بلا حساب؟ أهذه أنا فقط أم أنّه إيقاع عامّ لكل العابرين في هذه الشوارع؟ ألهذا أنساب بلا أي اعتراض، وأرافق أي فرصة تلوح في الأفق؟ أيمكن أن تكون أنتَ فرصة؟ ممكن؟ ممكن جدًا."

— من الرواية الجديدة - قيد الكتابة

Tags: arabic

"كنت أعلم أنّ تتابع الفرص لا يعني بقاءها، ولا الحفاظ على نتائجها القديمة، وعلى معرفتي ببديهيّة أمر كهذا، لم أستطع إلا أن أقتنص الفرصة، وأسكت، وأومئ موافقًا.
.. وأبدأ حياتي معها بالأسرار."

— من الرواية الجديدة - قيد الكتابة

Tags: arabic

من أجمل الأفلام المصرية القصيرة التي شاهدتها. بانتظار أفلام طويلة للكاتب / المخرج نفسه. - ” بحري” by @AhmedGhoneimy http://vimeo.com/37831857

Tags: Vimeo

"

في سرّ الحكايات التي لا نهاية لها أنّ الراوي لا يقول كلّ شيء. وفي إغفاله، وتركه بعض جوانب وتفاصيل حكايته في الظلام، يدفع الراوي السامع إلى خارج الحكاية. أي إلى البقاء مربوط اليدين، منقاداً إلى الصيغة الوحيدة الناقصة. وسامع الحكاية الناقصة سيعمد إلى تكملتها من عنده، حكماً، وبما أوتي من خيال أو من.. ضغينة. ذلك بسبب أن الحكاية الناقصة هي حكايته بالذات…

تتكرّر هذه الحكايات الناقصة كثيراً. منّا من يعتقد بقوّة أنّ رواتها هم المنتصرون. هم من يقطّع سردها بين ما يُقال وما لا يُقال، ما يجب إظهاره وما ينبغي إغفاله وصولاً إلى الفحوى، أي إلى “المعنى” المقصود، الذي يفتح نهاية الحكاية على نواقصها، مشكّكاً بكامل السرد. بعضنا الآخر يؤمن بأن لحكاية المنتصرين ترياق وحيد هو الحكاية المضادّة بالكامل، أي المنسوخة في الشكل وفي المضمون عن الحكاية التي تُسمّى بال”الرسميّة”. وهذه ستذهب بدورها بعيداً في المونتاج، في ما ينبغي تدوينه أو محوه، انتقاماً للمظلومين و”تصحيحاً” لمسار التاريخ، إلى أن تصبح بدورها “الحكاية الرسميّة”…

هكذا فعلت كافة أشكال الانقلابات والسلطات الثورية التي حكمت شعوبها، مستبدلة حكاية ناقصة بحكاية ناقصة نقيضة، وكلتاهما أبقتا النهاية مفتوحة على شقاء الأساطير…

"

— هدى بركات

Tags: Arabic

"لو كان مايكل هو الذي كتبها لكان أنهى روايته كما يلي، تحت الدرج، تناول قلم رصاص وكتب “حكايتي”، وقطب حاجبيه لحظة ثم استخدم الممحاة مبقياً على كلمة واحدة فقط هي: “حكاية”. وبدا مكتفياً بذلك. ولكن، وربما من قبيل ترفع مهذب، كان سينهيها بجملة لبورخيس تقول: “من منا نحن الإثنين كتب هذا الكتاب، لست أدري."

— مقطع من نهاية رواية “أرابيسك” لأنطون شماس، ترجمه للعبرية صلاح حزين في مقالة عن الكتاب نُشرَت عام ٢٠٠٣ في جريدة الحياة.

Tags: Arabic

"مُفردٌ لحظُكِ إن سَرّحتِهِ / طار بالأرض جناحٌ من زَهَر
وإذا هُدبُكِ جاراه المدى / راح كونٌ تِلْوَ كونٍ يُبتكَر"

— (سعيد عقل)

Tags: arabic

تتر بداية مسلسل السبع وصايا

(Source: vimeo.com)

Tags: Vimeo

وهلمّ جرا / إلخ - مورتن سونجورد

وهلمّ جرا / إلخ (من قصيدة “إعلانات عامة” للشاعر والروائي الدانمركي مورتن سونجورد - ترجمة سريعة عن الترجمة الانكليزية لمقطع القصيدة لـ جون أيرونز)

قيل!
وجد القول هيئة، تخدّر باللغة،
عادت الأشياء كما الكلاب:
السيانوغين*، عربة الموتى، العقيق**، الفانيلا،
الشمس تلتهم الحياة،
وأنت كما أنت للأبد،
تهمس لك الديدان،
تعال بهذا الاتجاه،
الساعة والنقود المعدنية تضغط على الجلد.
الأمر حقيقي بما يكفي،
الكرسي تحتك يدور مسرعًا بجنون،
وفجأة أنت المركز الدوّار للعالم،
رؤيا تتضخم وتتدفق إلى الخارج
حتى تملأ الأفق كله:
هناك ما هو أكثر من كافٍ لتتصالح معه،
لا تحتاج لتضيف أي شيء آخر.

+++
*السيانوغين: غاز سام سريع الاشتعال
**العقيق: ويسمى أيضًا “حجر الدم” أو “الحجر الدامي”

Tags: arabic