"في اعتقادٍ قديم، أن عينَ الرائي هي التي تُضيء الأشياء من حولها فتُصبح مرئية. كأنَّ الأشياء قاطبة حالة في الظلال أو راكدة مسطحة كالأشكال السائلة ثم تُفتحُ عينٌ فتُبصَر الهيئة التي ينبغي أن تكون عليها الأشياء. تُصبحُ عين الشيءِ، أي ذات الشيء نفسه."

بسام حجار | معجم الأشواق

لإيقاف الحرب لأنّها دمّرَت وقتلَت؟

هناك ما هو مذهل في خطاب لبنانيين لم يتخّذوا موقفًا واضحًا في مرحلة ما قبل عسكرة الثورة وما قبل الحرب السورية: القول بوجوب إيقاف الحرب لأنها دمّرت وقتلت.

صار هذا بالطبع كلامًا بائتًا، لكنّ مقاربة كهذه تنطلق عندهم من تعارض خطابين. تنطلق من الصوابية الأكيدة لخطاب الاستمرار في المقاومة العسكرية للمحتل، ومن نقاش (لا) ضرورة والتوقيت (الرديء) للبدء في مقاومة طاغية.

الخطاب الأول محسوم عندهم بضرورة الاستمرار، والخطاب الثاني محسوم عندهم بضرورة التأجيل. والمقاربة هذه تصير مذهلة مع حقيقة أن التدمير والقتل وقع قبل بدء الحرب السورية، وتصير أكثر مدعاةً للذهول لثبوتها الدائم في حالة استمرار المقاومة، أي مقاومة في أي وقت باختلاف مستويات وحشية المحتل. هذا يتركنا مع تدمير مدن يُستوعَب بخطاب الكرامة والحق وبتدمير آخر مذموم، ويتركنا مع موت منتصِر ما إن يحدث وموت آخر يثير الشفقة.

الخطاب نفسه يحاول حماية نفسه بنزع الصفة الطائفية عن المقاومة، فيجعل من مهاجمتها مرادفاً للتعاون مع المحتلّ، ويسبغ صفة الوطنية عليها، وهي صفة تلفظها المقاومة نفسها مع الشرخ الاجتماعي الذي تحدثه سياساتها الداخلية والخارجية، والتي تحتمي دومًا بخطاب حمايتها (أي حماية المقاومة).

الخطاب نفسه يحاول التطهر من آثام الحرب الأهلية اللبنانية بمراجعة تقول بخطأ الخطاب الانعزالي وقتها (إفرحوا للحظة). لكنهم، يذهلوننا من جديد إذ يتطهّرون عبر التصويب مثلًا على كمال جنبلاط، وعبر الإبقاء الحالي على الجعجعية (وبصفة أقل الكتائبية) في خطاب ثقافي تخويني انعزالي غير جديد يعتمدونه، لتأتي أخيرًا العونية كمخلّصة لخطابهم، إذ تتحالف معهم، ولو كانت تعتمد أغلب الخطاب الجعجعي / الكتائبي.

هذا الخطاب الإعلامي العامّ ، من تحالف مضمَر بين حرمان وخوف وفائق قوة، يستمر ضمن نظام لا يعترف، حتى تغييره، لا بالانعزال، ولا بالخيانة، أكثر من اعترافه بالفساد والمحاصصة بين الأعداء والأصدقاء كصفة أساسية لاستمراره.

دون هذا طبعًا نقاشات مستفيضة متأخرة أو سابقة عن جدوى أو ضرورة عسكرة الثورة، وذمّ أو مدح الحرب الأهلية (في حدوثها)، وطائفية المقاومة في كيان طوائفي، وهويّة الكيان نفسه وماذا نريد منه، لكن وجبت الإشارة للمفارقة، خاصةً أنّ النقاش الأخلاقي استقبِل عند حاملي الخطاب هذا كطوشة مع وقوفهم الصريح / الخجول بجانب الطاغية، واستمرّ تذمرًا مع رفعه بوجههم ضرورة وبلا ضرورة ( والحق أن الخطاب الأخلاقي بولغ في استخدامه بلا توصيفات محددة)، وانتهى عندهم الآن كضرورة (!) عند المناداة بإيقاف الحرب والإبقاء على القاتل، وهو للعلم قاتل واحد لا طرفين، وان استمرت الحرب من بعده!

"كقط يربض ساكنا قرابة جحر
أجلس على المقهى
بعينين نشطتين
أتصفح المارة بخبرة صراف يفرز رزمة من النقود
غير منتظر أقل من فتاة أرستقراطية
ترتدى بنطالا ضيقا
وحذاء رياضيا"

— قصيدة “ليس أقل” من ديوان “مثل ذئب أعمى” لأسامة الدناصوري

:) 

فيروز - واحبيبي - بيروت١٩٦٤

أطفال سوريون يؤدون مسرحية “الملك لير” لشكسبير في مخيم الزعتري.

Source: https://www.facebook.com/photo.php?fbid=472596042839972&set=gm.643253022408015&type=1&theater
 

أطفال سوريون يؤدون مسرحية “الملك لير” لشكسبير في مخيم الزعتري.

Source: https://www.facebook.com/photo.php?fbid=472596042839972&set=gm.643253022408015&type=1&theater

 

Tags: syria

شريهان من فيلم عرق البلح لرضوان الكاشف

شريهان من فيلم عرق البلح لرضوان الكاشف

قراءتي لرواية “نساء الكرنتينا” لنائل الطوخي في مجلة الدوحة الثقافية.

"هذه هي الأرض المحرّمة
حيث يفصل الأحياء عن الموتى
هذا هو السر الذي يفتح أبواباً
بحفيف ثيابه العابرة
وكالأسطورة التي ضربت بجبينها
أرضية الواقع
يتكسر التاريخ في موجة مدلهمة
على سدة طويلة من ركب الشعوب
والأسوأ من ذلك
أن المؤرخين اختفوا في العاصفة"

سركون بولص، الوصول إلى مدينة أين

Tags: arabic

دوبيتات شعبية للعاشق الخجول - إدواردو غاليانو - ترجمة: أسامة إسبر

أريد أن أقول ولا أريد

أنا أتحدّث دون أن أنطق بكلمة.

أريد أن أحبّ ولا أريد.

أنا أحبّ دون أن يسمعني أحد.

 

يعتريني ألم لا أعرف أين موضعه

ولا أعرف سببه

ولا أعرف متى سيشفيني منه

شخص ما نسيت اسمه.

 

في كلّ مرة تنظرين إليّ

وأنا إليك

بعيني أقول

مالا أقوله

وبما أنني لا أجدك

أبحث لأذكرك.

المزيد في جدلية

Tags: arabic

الوحش

لقد سمعنا عن الوحوش في القصص، وقالوا لنا إنّها مخيفة. لكننا اكتشفنا ما هو أكثر رعبًا. أن نشهد خلق الوحش. أن نتابع بأنفسنا كل مراحل التحوّل. أن نكتشف أننا كنّا ذات مرة مع نواته لأسباب شتّى، وأننا كنّا نطمس أسئلة النقد داخلنا ونشّكك بها. إنّ المعركة الكبرى مجفِلة في مجهريتها، وهي مجفلة أكثر لأنها تقترب، أولأننا نحدس أو نراها تقترب. وهي مجفلة لأننا سنجهد في أن نحافظ على أنفسنا، ولا ننزلق إلى مواقف تبرّرها المعركة، مواقف تشبه الوحش نفسه، وإننا مع ذلك كله علينا أن نكون واضحين وغير محايدين. لكنّنا في نهاية ما، لنا أو للوحش، أو لكلَيْنا، سنقف أمامه، ونبتسم، وهو لن يفهم. وكلّما كبر وتضخّم، لن يفهم أكثر. لن يفهم أنه يأخذنا إلى الكارثة، وأنّ الكارثة لا تشبه شيئًا من هذا الذي نراه الآن. ولن يفهم أنه بات يشبه وحشًا صارعه ذات يوم. لن يفهم لماذا نبتسم إزاء كل ما يحدث. نحن حينها سنكون نبتسم لأننا نعرف أننا لن نستطيع فعل شيء لا له ولا لأنفسنا. وسندفع، مسبقًا أو لاحقـًًا، ثمن محافظتنا على أنفسنا بالرحيل والتحديق من بعيد.

Tags: arabic

كلمن ٠ ١ ٢ ٣ ٤ ٥ ٦ ٧ ٨ ٩

كلمن ٠ ١ ٢ ٣ ٤ ٥ ٦ ٧ ٨ ٩

مقال لمحمد عمر جنادي في أخبار الأدب

ثلاثة نصوص تلامس أحداث الثورة السورية من العام ٢٠١٢

مع مرور ثلاثة أعوٰام على بداية الثورة السورية، أعيد مشاركة ثلاثة نصوص كتبتها ونُشِرَت في “شباب السفير” في العام ٢٠١٢، تلامس أحداث الثورة السورية. بعدها، استعصت الكتابة لأسباب خاصة وعامة.

١) عن باسل شحادة.. أثرُ الشيءِ في غَيره (٥ حزيران ٢٠١٢): http://bit.ly/1d6roAI
٢) حفلة إرغام (١٢ حزيران ٢٠١٢): http://bit.ly/1m7fsXF
٣) مقبرة جماعية ( ١٠ تموز ٢٠١٢): http://bit.ly/1eEjWNF

Tags: arabic

انتقاء الأثر

يعتقل أحدهم أو يُقتَل، فتتبدّل الصورة. يزداد القتل، فتتسارع وتيرة تغيير الصوَر. تبقى، ولا تبقى. نقرة على المؤشريْن إلى يمين الشاشة ويسارها، تفضي إلى صوَر لمعتقلين سابقين، وإلى موتى قدامى.

هل هم سابقون وقدامى فعلاً؟

هذه صوَرهم استلّها متتبع على عجل من بروفايلاتهم الشخصية، بلا تحضير مسبق، ووضعها كصوَر له تحت اسمه في اقتفاءِ أثرٍ متعب، كثيراً ما يتلازم والانقطاع، كأن يهرب المتتبع مثلاً إلى صوَر الأفلام، ثم يعود إلى السواد الكامل، ثم صورة مموّهة له، ثمّ صورة أوضح، ثم صورة له في حفل، فعودة إلى صورة آخر ممهورة بشريط أسود.

تمر الصوَر أمام نظر المتصفِّح. يقلّب فيها. يبدو الزمن عداءً. كأنه ركض فجأة. أو صار أطول. فالموت الكثير يوحي بكثرة الأحداث. يُشعر بالقفز فوق حواجز كثيرة.

هم الآخرون. وهو يصير مقتنعاً أنهم هو. هو المتتبع المتعَب وهم المختفون عائدون مقتنَصون في لحظة ثابتة، وهذا كثير وعصيّ أحياناً على الاحتمال. هو يجهد أن لا يفقد، في زمن سمته الفقدان. ويسعى أن يبقى متصلاً. أن يحافظ على حكاية لا يعرف مضمونها. ولا يعرف لماذا يفعل ذلك. يتخيّل الحكاية، يكتبها، حتى تأتي لحظة يسأل فيها من أمام الشاشة، ومن خلفها؟ هو أم الميت؟ هو أم المعتقل؟ وهذه الشاشة، ما هي؟ مرآة لشخص في عالم واحد، أم جدار يفصل بين عالمين؟

وقد يصير التتبع فرض عين، إعادة مثقلة بالمسؤولية المعروفة. فكثيرون يكرّرون الكلام ذاته، يفقِدون التتبع الشخصنة التي يستحق. ينزعون منه لوثة الانتقاء. فتتوحد الحكاية. تصبح، حتى في اختلاف مضامينها، واحدة. إنها تفتقر للاكتشاف، والإبداع. إنها متوقعة. وهذا سبب أدعى للامبالاة، حتى يمرّ حدث طازج آخر ويرمي اللامبالين في الدوامة من جديد.

وفي كل مرة، تخفت القشعريرة أكثر فأكثر. في كلّ مرة، تعظم الحاجة لحدث أكثر سوءاً من سابقه. ليست قدرة احتمال المتتبع التي تعظم. على العكس، هي قدرته على فقدان الاهتمام. هي قدرته على الانتقاء، ورغبته في منع الانهيار. محاولته للإبقاء على نفسه سوياً. وهذه قمّة المبالاة، وإن حرص القتل دوماً على الاحتماء بها.

Tags: arabic